”المشهد اليمني” ينشر احدث دراسة اقتصادية حول التداعيات الكارثية للانقسام النقدي والمصرفي في اليمن

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ


أكد دراسة اقتصادية حديثة أن اليمن تواجه أزمة اقتصادية مستفحلة سببت ركوداً في النشاط الاقتصادي، وتدهوراً في القوة الشرائية للعملة، وارتفاعاً بمعدل التضخم، وتنامي ظواهر الفقر والبطالة وسوء الأوضاع المعيشية للسكان مشيرا الى انه "فوق ذلك تعميق التشطير الاقتصادي بين مناطق صنعاء وعدن، وأبرز مظاهره هو الانقسام النقدي والمصرفي وتعدد سعر الصرف والعملات، وهو ما أوجد حالة من الإرباك وعدم اليقين لأصحاب الأعمال وعامة الناس في مناطق طرفي الصراع".
وأعتبرت الدراسة التي اعدها الخبير الاقتصادي اليمني الدكتور " مطهر العباسي " في دراسة خاصة – حصل المشهد اليمني على نسخة خاصة منها – انه "خلال الفترة من 2017-2019، اتبعت كل من سلطتي عدن وصنعاء سياسات اقتصادية متهورة وغير رشيدة، ففي عدن اتجهت الحكومة نحو سياسة مالية متهورة لتمويل نفقاتها من مصادر تضخمية عن طريق طباعة نقود جديدة دون توفر احتياطيات كافية من النقد الأجنبي لإدارة سعر الصرف، ما دفع بالقوة الشرائية للريال إلى تدهور كبير، حيث ارتفع سعر الصرف بمعدل ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل الحرب، مسبباً زيادة في معدل التضخم على السلع والخدمات بالنسبة نفسها، وهو ما أثقل كاهل المواطنين محدودي الدخل والشرائح الفقيرة في المجتمع".

وأشارت الدراسة الى أنه "خلال تلك الفترة، حصلت سلطة عدن على ودائع ومنح من الحكومة السعودية بلغت 2.4 مليار دولار، وللأسف لم تستخدم بشكل سليم لإدارة سعر الصرف، بل شابها الكثير من الفساد والعبث، حسب ما ورد في تقارير خبراء الأمم المتحدة، ويعد ذلك إخفاقاً جسيماً في إدارة الشأن الاقتصادي وفي الحفاظ على المال العام "..منوها الى أنه "بالمقابل، اتبعت سلطة صنعاء سياسات مالية مجحفة قائمة على فرض جبايات ضريبية وجمركية وزكوية وغيرها بلغت عشرات أضعاف ما كانت عليه في عام 2014، دون الالتزام بالصرف على بنود النفقات العامة من الرواتب أو الإعانات أو النفقات الاستثمارية، وفي الجانب النقدي، اتخذت سلطة صنعاء إجراءات صارمة خلال عام 2019 لمنع تداول الطبعات الجديدة من العملة الصادرة عن بنك عدن المركزي، وهذا أدى إلى التباين في سعر الصرف بين مناطق صنعاء ومناطق عدن."
مرحلة تعميق الانقسام
ولفتت الدراسة الى انه "مع إعلان سلطة صنعاء منع التداول بالعملة الجديدة، منذ مطلع عام 2020، بدأت مرحلة جديدة لتوسيع دائرة الانقسام النقدي والمصرفي، وظهور نظامين لسعر صرف الريال، نظام شبه مستقر في مناطق صنعاء، ونظام متقلب ومتدهور في مناطق عدن، وصل الفرق بينهما، في الأيام الماضية، إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، وكان لهذا التباين الشديد بين السعرين انقسام في النظام المصرفي بين المنطقتين، تجسد في فك الارتباط بين الحسابات البنكية للشركات والتجار والمواطنين، في إطار البنك الواحد في مناطق صنعاء وفروعه في مناطق عدن، ما أدى إلى تصاعد رسوم التحويلات المالية بالريال عبر البنوك أو شركات الصرافة بين مناطق صنعاء وعدن، وبرزت ظاهرة الدولارية أساساً لتقييم الريال المنهار في عدن، مقابل الريال شبه الثابت في صنعاء. ومما زاد من تدهور قيمة الريال في مناطق عدن استمرار سلطتها في تمويل نفقاتها من مصادر تضخمية عن طريق الإصدار النقدي الجديد، وهذا ساهم بقوة في تصاعد أسعار السلع والخدمات وارتفاع معدلات التضخم".

وأكدت الدراسة انه "خلال تلك الفترة اتخذ البنك المركزي في صنعاء إجراءات صارمة في الرقابة على سوق الصرف، ومنع شركات الصرافة من السحب على المكشوف في ما بينها، وهو ما حد من ظاهرة المضاربة بالعملة وساعد في استقرار سعر الصرف بمناطق صنعاء، وفي الوقت نفسه ظل بنك صنعاء المركزي يعاني من أزمة السيولة النقدية الحادة لعجزه عن طباعة النقود، ولو تيسر له ذلك لأصبح سعر الصرف في تصاعد مستمر، كما هو الحال في مناطق عدن منوهة الى أنه "ومع بداية عام 2022، جرى تعيين محافظ جديد للبنك المركزي في عدن، تبنى برنامجاً للإصلاحات الاقتصادية، بالتعاون مع صندوق النقد العربي وبدعم من صندوق النقد الدولي، قائماً على عدم تمويل النفقات الحكومية من مصادر تضخمية، ووقف الإصدار النقدي الجديد، إضافة إلى أهمية تحصيل عوائد الصادرات النفطية وإيرادات الضرائب والجمارك إلى الحسابات الحكومية في البنك، كما حصل البنك على وديعة جديدة من الحكومة السعودية بمليار دولار، ورغم ذلك لم يتمكن من السيطرة على تدهور سعر الصرف الذي تزايد بشكل مقلق في الأشهر الماضية".
واعتبرت الدراسة الى أن "سلطة صنعاء أسهمت تعميق الانقسام المصرفي بصورة مخيفة إثر إصدارها قانون "منع التعاملات الربوية" في بداية عام 2023، والذي أدى إلى شلل البنوك التجارية والإسلامية وبنوك التمويل الأصغر وحتى صناديق التوفيروضرب الثقة والمصداقية بين البنوك والمودعين من جانب، والمقترضين والمستثمرين من جانب آخر، وجعل البنوك تقع على حافة الإفلاس، إن لم تكن قد أفلست فعلا.مشيرة الى ان البنك المركزي بصنعاء قام بصك عملة معدنية من فئة 100 ريال، دون التشاور والتنسيق مع البنك المركزي في عدن، المعني قانونياً بذلك. وفي ردة فعل على ذلك، أصدر البنك المركزي في عدن قراراً بنقل المراكز الرئيسية للبنوك إلى مدينة عدن، دون الاستماع إلى تحفظات إدارة البنوك حول المخاطر المالية والقانونية والتشغيلية والفنية المصاحبة لتنفيذ القرار، وهو ما ينذر بصراع مصرفي، وقد يزداد الأمر سوءاً إذا لم تستجب البنوك للتنفيذ".
وتوقعت الدراسة " استمرار التدهور في أسعار صرف الريال اليمني في عدن ومناطق الشرعية وقد يصل إلى أربعة أضعاف السعر في صنعاء، إضافة إلى بروز أزمة سيولة نقدية حادة في النظام المصرفي بصنعاء، ما ينذر بضياع الودائع لمئات الآلاف من المودعين وفقدان أرصدة البنوك لدى البنك، وبالتالي إفلاس البنوك، وانهيار الجدارة الائتمانية لها".
واعتبرت الدراسة الى انه "وفي ظل الهدنة، يُعوّل على مؤسسة البنك المركزي في كل من عدن وصنعاء للعمل على إنجاز الهدف الرئيسي للبنك والمتمثل في تحقيق استقرار الأسعار، والمحافظة على ذلك الاستقرار، وتوفير السيولة المناسبة والملائمة على نحو سليم لإيجاد نظام مالي مستقر يقوم على آلية السوق، ولا يتأتى تحقيق هذا الهدف إلا في ظل مؤسسة سيادية موحدة ذات علاقة بإدارة السياسات المالية والنقدية، وتحديداً البنك المركزي. وهذا يعتمد على درجة بناء الثقة بين أطراف الصراع، وعلى الرغبة في اعتبار الهدنة "مرحلة انتقالية"، تجري فيها إعادة بناء بعض المؤسسات السيادية وتوحيدها وضمان حياديتها في الصراع، على أن يجري بعدها الدخول في حوار جاد للانتقال إلى توحيد البلاد، والدخول في مرحلة السلام والاستقرار".
ولفتت الدراسة الى ان "أولى هذه الخطوات التوافق على توحيد البنك المركزي، للقيام بمهام الخزينة العامة للدولة، وهذا الأمر يتطلب مفاوضات وحوارات مباشرة بين حكومتي صنعاء وعدن لتوحيد البنك وضمان حياديته بالصراع، ولذلك يتطلب الأمر التوافق على الترتيبات المؤسسية والإدارية والتنظيمية للبنك، وهي تشمل تشكيل مجلس إدارة مشترك للبنك المركزي وتوسيعه بحيث يكون بنك صنعاء ممثلاً فيه، إضافة إلى تقاسم منصبي المحافظ والنائب بين البنكين، بهدف إدارة البنك بصورة مشتركة، ويمكن أن يتحدد مكان الاجتماعات الدورية لمجلس الإدارة في صنعاء أو في عدن أو في إحدى العواصم العربية خارج اليمن، على أن تكون عدن المقر الرئيسي للبنك المركزي، باعتباره المؤسسة المعترف بها دولياً، والمرتبط بنظام "سويفت" للتحويلات المالية الدولية، وفي مرحلة السلام سينتقل المقر إلى صنعاء، عاصمة اليمن الموحد، إضافة إلى تفعيل الربط الشبكي الإلكتروني بين البنكين وجميع الفروع في كل المحافظات، لضمان تدفق البيانات والمعلومات عن تحصيل الموارد السيادية من جميع المحافظات".
وأكدت الدراسة أن "هذه الترتيبات تتطلب الدعم الفني والمؤسسي، وهذا يحتاج إلى التنسيق والتعاون مع كل من صندوق النقد والبنك الدوليين، واللذين يمتلكان الخبرات الفنية والاستشارية، إضافة إلى مصادر التمويل، لدعم جهود البنكين في توحيد السياسة النقدية، وتحقيق الاستقرار المالي والنقدي، وخلال سنوات الحرب، ساهمت هذه المؤسسات في رعاية الحوار بين قيادات البنكين، ولا تزال الجهود مستمرة حتى الوقت الراهن".

أخبار ذات صلة

0 تعليق